زكي مبارك

108

عبقرية الشريف الرضي

خطوب لا يقاومها البقاء * وأحوال يدبّ لها الضّراء ( 1 ) ودهر لا يصحّ به سقيم * وكيف يصح والأيام داء وأملاك يرون القتل غنما * وفي الأموال لو قنعوا فداء ( 2 ) هم استولوا على النجباء منا * كما استولى على العود اللَّحاء ( 3 ) مقام لا يجاذبه رحيل * وليل لا يجاوره ضياء سيقطعك ( 4 ) المثقف ما تمنى ( 5 ) * ويعطيك المهنّد ما تشاء بلونا ما تجيء به الليالي * فلا صبح يدوم ولا مساء وهي قصيدة كثيرة الفنون ، نقف منها عند قوله في تعزية ذلك المنكوب . وما حبستك منقصة ولكن * كريم الزاد يحرزه الوعاء فلا تحزن على الأيام فينا * إذا غدرت وشيمتنا الوفاء فإن السيف يحبسه نجاد * ويطلقه على القيمم المضاء وهو بهذه الأبيات يمدح السجن ، أو يتكلف مدح السجن ، لأن أباه مسجون . وفي تلك المدة تدلنا اشعار الشريف على أن ناسا كانوا اجترأوا على شتمه وتجريحه ، فكان يتجمّل ويتحلم صونا لنفسه عن التسلح بالسباب ، كان يقول : ما يطلب الدهر والأيام من رجل * يعوذ بالحمد إشفاقا على النعم إذا اقتضته الأماني بعض موعده * غطَّى بستر العطايا عورة العدم ( 6 )

--> ( 1 ) الضراء بالفتح : الاستخفاء . ( 2 ) الأملاك : الملوك . ( 3 ) اللحاء : القشر . ( 4 ) من الاقطاع وهو الاعطاء . والمثقف : الرمح . ( 5 ) تمني : تتمنى بحذف إحدى التاءين للتخفيف ( 6 ) العدم بضم العين وهو الفقر .